المكان: طهران ـ مرقد الإمام الخميني
الزمان: 14/3/1389ﻫ.ش - 21/6/1431ﻫ.ق - 4/6/1910م.
المناسبة: الذكرى الحادية والعشرون لرحيل الإمام الخميني(قدس سره)
الحضور: الملايين من المعزين في الجمهورية الإسلامية (المسؤولين والشعب) ومن سائر بلدان العالم
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونتوكل عليه ونستغفره ونتوب إليه، ونصلّي ونسلم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه حافظ سرّه ومبلّغ رسالاته بشير رحمته ونذير نقمته سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين المعصومين سيما بقية الله في الأرضين وصلِّ على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين والدعاة إلى الله.
(أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله)
أوصي جميع الإخوة والأخوات الأعزاء المصلّين بمراعاة التقوى؛ فالله سبحانه وتعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ إن تقوى الله يجب الالتزام بها في كل أعمالنا وأقوالنا، بل وحتى في أفكارنا وتصوراتنا. فلنراقب تصرفاتنا وأعمالنا وأقوالنا حتى لا ننحرف ونتعدى قيد أنملة عما يرضي الله والحق. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق هذا العبد الحقير حتى نتمكن اليوم وبالتمسك بهذا المبدأ القرآني الأساسي - أي التكلم على أساس التقوى ـ أن نبين مطالبنا.
هذه الأيام هي أيام عيد ولادة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء سيدة الكونين، سيدة نساء العالمين(عليها السلام). فلنستمد من الروح الملكوتية لهذه الفانية في العبودية المخلصة لله سبحانه وتعالى. وبمشيئة الله نقيم صلاة الجمعة هذه بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لرحيل الإمام الخميني (قدس سره)، تقديراً وتكريماً لمقام هذه الآية العظمى لله، وأن نحفظ أيضاً الذكرى والاسم المبارك والباقي لإمامنا العظيم، كما حفظ شعبنا ذكراه خلال الواحد والعشرين سنة الماضية، وبأفضل شكل، أحيا ذكراه في قلبه وروحه، وعلى لسانه، وفي أجواء حياته، فنمضي قدما.
أتحدث اليوم في الخطبة الأولى عن الإمام العظيم؛ النظر إلى الإمام من حيث أنه معيار. هذه نظرة لها أهميتها؛ لأنها تعبّر عن التحدي الرئيسي في جميع التحولات الاجتماعية الكبرى ـ ومنها الثورات ـ، وهي ـ النظرة ـ صيانة هذه التوجهات الأساسية لهذه الثورة أو هذا التحول. فهذا أهم تحدّ لأي تغيير اجتماعي عظيم يمتلك أهدافاً يسعى نحوها ويدعو إليها، حيث ينبغي الحفاظ على هذا التوجه. فإذا لم يُصن هذا التوجه نحو أهداف ثورة ما أو في تغيير اجتماعي ما ويحفظ، فإن الثورة ستتبدل إلى ضدها، وسوف تعمل على عكس وجهة أهدافها. لهذا تلاحظون في القرآن أن الله تعالى في سورة هود المباركة يخاطب نبيه قائلاً: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فإنه يأمر النبي بالاستقامة. والاستقامة تعني الثبات، والاستمرار على الطريق المستقيم، والتحرك في الاتجاه الصحيح، وفي مقابل هذه الحركة المستقيمة نرى في هذه الآية الشريفة الطغيان، حيث يقول سبحانه وتعالى ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ﴾ فالطغيان يعني الانحراف والعصيان، يقول الله سبحانه وتعالى للنبي أنه عليك شخصياً، أي أنت وكذلك كل من معك، عليكم أن تسيروا على هذا النهج، وأن لا تنحرفوا ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ويقول المرحوم العلامة الطباطبائي المعظم في تفسير الميزان، بأن لحن هذه الآية لحن تشدّد، ليس هناك شيء من الرحمة في هذه الآية، والخطاب موجّه إلى النبي(صلى الله عليه وآله) نفسه؛ لإفراده بالذكر؛ ففي الدرجة الأولى الخطاب موجّه إلى النبي(صلى الله عليه وآله): ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، لذلك فإن هذه الآية كانت بنحو حيث قال الرسول(صلى الله عليه وآله) حول سورة هود: «شيبتني سورة هود». وذلك لمكان هذه الآية. وجاء في الرواية المروية عن النبي(صلى الله عليه وآله) بأن ما شيّب الرسول(صلى الله عليه وآله) من هذه السورة بقوله: «شيبتني سورة هود» هي هذه الآية، بسبب التشديد الموجود فيها. حيث أنه في مكان آخر من القرآن أيضاً يقول تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لكن هذا العنوان ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ﴾ أي لا تنحرفوا ولا تتراجعوا عن الطريق هو خطاب شديد جداً، خطاب موجّه للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولذلك يرجف قلب الرسول له.
وهذا لأن تغيير التوجهات والانحراف عن الطريق الأساسي - الذي تكون الهوية الأصيلة لكل ثورة بحسب تلك التوجهات وفي الواقع تكون مسيرة الثورات عبارة عن تلك التوجهات - يعد تخلياً تاماً عن الطريق الذي لن يوصل هذه الثورات إلى أهدافها.
[التفاصيل pdf] |